قبل أن نتناول أسطورة الطوفان البابلية يجب علينا أن نطلع على مفهوم كلمة هامة استخدمتها مختلف التيارات الفكرية العقائدية والروحية على حد سواء وهي كلمة ( الحقيقة ) ، فترى كل منها تفسر مفهوم ( الحقيقة ) وفق هواها وعلى سجيتها ، إذ قالت الماسونية : (( أن المرأة هي الجمال ، وإذا أردت الجمال فأنت رجل مفكر ومبدع أما إن أردت الحقيقة فأنت كاهن ، لأن الكاهن هو أداة المغفرة المصطفاة من الرب والمغفرة بيد الرب الموافق عليها مسبقاً ، وأن الجمال حقيقة حلوة اسمها المرأة فلا تحرم نفسك من الوصول إليها والتمتع بها ، ولكن المرعب في الحقيقة أن تعرفها كاملة ))وكذلك قالت البوذية (( إن الله حقيقة ولا زمن له ))ثم نطقت التوراة بجوهرتها عندما قالت (( إن الله حقيقي يحب الجمال ويرضى على من يمجده )) فما هي الحقيقة وفق مفاهيمهم الغامضة ؟؟؟ لنلقي نظرة على مفهومها في البوذية كمثال يوضح الهدف من استعمالها دائماً ، فالبوذية تؤمن بأن الله حقيقة ولا زمن له ، وأن الحقيقة تنجلي لطالبها عبر مسلكين هما :
- عبر دراسة الحقيقة وفق مناهج التنوير .
- وأن الدراسة تلك لا يمكن أن تعطي ثمارها إلا من خلال تنبؤات مستقبلية يتنبؤ بها المخلصّ الحالي .
ولكي تدرس الحقيقة عليك أن تحلق بروحك في فضائها كطائر الفينيق من الرماد ( أي من العدم ) بعدما تؤمن بتنبؤات مخلصّك الحالي الذي باستطاعته أن يضمن لك سعادتك في الدنيا والآخرة ، وأنه لا جدوى تذكر من دراستك للتعاليم إلا إن استعنت بتنبؤات مخلصّك ، من هنا نلاحظ أن الحقيقة لا تتحقق إلا بعدما يؤمن مريد البوذية إيماناً تاماً بمشيئة مخلصّه ، وكأنها تطلب من مريدها أن يبدأ برسم صورة خيالية في ذهنه عن ماهية ( الحقيقة / الله ) على أن يسقطها بعد ذلك على هيئة صورة تمثال لبوذا ( المخلّص – المنقذ ) مما يتبين لنا بأنها أيديولوجية الصورة التوراتية ذاتها ، ولتزيد البوذية من غموضها فقد وضعت معرفة ( الحقيقة – الله ) بيد المخلصّ الحالي حصرياً والذي سيقوم بدوره بتسليم عهدتها المادية ( تعاليم روحية تحولت لمادية ) إلى المخلصّ المستقبلي في غرفة تسمى ( معبد الحقيقة ) ضمن مراسم وطقوس خاصة جداً تنتهي بخروج الدخان الأبيض من الغرفة ، وبعدما تنتهي مراسم التسليم يقوم المخلصّ الحالي المنتهي ولايته بسرد تنبؤاته على خلفه ( المخلصّ المستقبلي ) وكأنه يدفع بسلطته الروحية والقيادية لتبقى محصورة بتنبؤاته لجيلين متلاحقين وهذا بحد ذاته مبدأ الإستبدادية والعنصرية إذ يحتم استمرارية نظام الحكم الإلهي البشري المقدس ، فما جرى على مستوى القيادات الروحية العليا لا علاقة له بأي حال من الأحوال بإرادة شعوبهم فما هم بنظر قادتهم سوى بهائم طائعة مستنسخة ، ومثل هذا النظام سيأسر مختلف النظم الحياتية لشعوبهم بدءاً من الحقوق الفردية ومروراً بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والروحية إلى أن تطال أخيراً حقوقهم في حياتهم الآخرة ، إذ زرع قادة البوذية في نفوس شعوبهم عقيدة الموت على أنها مجرد إجازة مؤقتة كمادة ليس إلا ، وأن أولئك القادة ستنتهي إجازتهم ليعودوا بعدها إلى مناصبهم وأعمالهم وليشكلوا مجلساً حاكماً في الآخرة حيث يستطيعون أن يحددوا مصير شعوبهم إلى الجنة أو النار أو لحالة الوقوف بينهما ، كهكذا مفهوم يرسخ للتبعية العمياء المطلقة في الدارين الدنيا والآخرة ويشكل صورة ذهنية لدى شعوبهم بأن ذلك كله من خاصة الآلهة المقدسة ، فأين الفكر والوعي والإدراك لدى البوذية وشعوبها ؟؟؟ ومن تعاليم البوذية أيضاً (( أنك تستطيع أن ترى الحقيقة من خلال نفسك فقط لتصبح طاهراًُ ، ولا تقتل الكائنات الحية )) وهنا نلاحظ أن مفهوم الطهارة بهذا الموقع أرادوا منه دفع المريد ليفعل الطهارة كمادة ملموسة وليست من باب الصفات الروحية للمعنى ، وعليه فإن الطهارة وفق مفاهيم الأفعال تعني بأن يؤدي الإنسان عملاً خاصاً بمراسم موصوفة ومحددة تجعله طاهراً كأن يغسل جسده أو قدميه أو يديه أو فمه ... الخ ، بينما الطهارة في مفاهيم الصفات فإنها تعني الرموز الروحية وقيمها النبيلة ، وان أسقطنا مقولة البوذية على المفهومين معاً لرأينا الطهارة المرتجاة لجسد المريد وروحه مرتبطة كلياً بتعاليم مخلصّه الحالي ومخلصّه السابق والمستقبلي أي صارت الطهارة سجينة بشكل مطلق بيد مخلصّها ، فضلاً عن ذلك سنرى الطهارة قد تعرضت لعملية تحجيم تنازلي ( تقزيم ) إذ ستبدو متناهية الصغر بحجمها أمام حجم إرادة المخلصّ ، نلاحظ أنها طروحات ناعمة ومسالمة بينما هي في باطنها قاسية وماكرة ، وان استكملنا عبارتها الثانية ( ولا تقتل الكائنات الحية ) لوجدنا بهذا الخندق أفخاخاً عقائدية هي بمثابة سهام تقذفها على مختلف العقائد السماوية المقدسة إذ تأمر البوذيين أن يكونوا نباتيين مما يحرمهم متعة التلذذ بتناول اللحوم ومشتقاتها وكذلك تحرّم عليهم صيد الحيوانات والإنتفاع بها ، وبالتالي لواعتنق البوذيون تلك العقيدة لصاروا مهيئيين لرفض أي ديانة أخرى تخالفهم بهذه المسألة ، ومن المعلوم أن مختلف العقائد الإلهية المرسلة قد حللت عملية الصيد وأجازت لجماهيرها التمتع بها مما جعل البوذية متباينة تماماً مع رسالات السماء المقدسة تحت مقولة (( ما حلله الله لخلقه سنخالفه )) !! وعلى ذلك فالبوذية نباتية لأنها حرّمت قتل الحيوانات الحية ولهذا لن تجد على تماثيلهم أورسوماتهم صور حفلات صيد إلا إن كان حيواناً اسطورياً شريراً ( التنين مثلاً ) وهذه الفكرة ذاتها هي من أهم مناهج التمثل التصويري بالماسونية ذاتها كي يحصنوا أنفسهم جيداً بأنهم دعاة محبة وسلام بينما هم في واقع الحال من أشد أعداء القيم الإنسانية ، وأما في قولها ( ولا تقتل الكائنات الحية ) ففيه استثناءات مبطنة تدل على الجزئية لا الشمولية ، فلو كانت تعني الشمولية لكان أفضل لها أن تقول ( ولا تقتل كل الكائنات الحية ) فهل عبارة ( ولا تقتل الكائنات الحية ) منهاجاً نقياً ؟؟ بالطبع لا !!! لأنها تركت لنفسها حرية تحديد لوائح الكائنات الحية المستثناة من القتل وتلك الواجب عليها قتلها فلم تذكر في عبارتها صفة الشمولية ( كل ) بل تركت سبيل تحديد ذلك بيد المخلصّ الذي سيدير دفة تحديد لوائح الكائنات الحية الواجب قتلها ( ومنها الإنسان طبعاً) كما يشاء ويرضى على أن يلبي شعبه أمره كاملاً وفق منهاج ( القتل العقائدي المنظم والموجه ) وهذا صلب العقيدة الماسونية أيضاً !!! ولتأكيد ذلك قالت البوذية (( أن لديك عشرة أصابع في يديك وعشرة مثلها في قدميك ليصبح لديك عشرين إصبعاً قادراً على القتل )) !!! فهل لاحظتم التباين والتنافر في المسلكين ؟؟ فالشعار الأول ( ولا تقتل الكائنات الحية ) هو شعار روحي يريدون منك أن تحوّله ليصبح مادياً تعمل به بينما الشعار الثاني ( ليصبح لديك عشرين إصبعاً قادراً على القتل ) هو شعار مادي يريدونك أن تحوّله لشعار روحي تؤمن به !!! وعليه فالمعنى والمفهوم والمسرى الأيديولوجي متنافر تماماً فأيهما سيرقى أولاً ليصبح شعاراً فاعلاً وأقوى ؟؟؟ تحديد ذلك رهن بيد المخلصّ حصرياً !!! ولنرى هذه المقولة البوذية أيضاً (( عقلك مليء بالشفقة وغير طاهر وعلينا تطهيره ، فلا تفعل عملك وتنتظر مكافأة مادية فالأفضل لك أن تنتظر مكافأة روحية )) نلاحظ هنا إلغاء كامل لمبدأ المكاسب المادية التي تمنح الفرد حياة هانئة وكذلك تنازل روحي عن مختلف الحقوق الفردية التي منحها الله لعباده كي يعيشوا برغد وحرية ؟؟؟ وكذلك حال التبعية الاقتصادية التي ستؤثر بدورها على كافة القيم الإنسانية إذ سيسود مبدأ ( التقرب والحاشية ) ومبدأ التذلل والعبودية ، فماذا إن كان عمل الفرد كله رهن بمكافأة روحية ؟؟؟ ماذا سيفعل بها !!! ذلك سيمهد لظهور مستويين أحدهما ( مستوى أعلى يحتله المخلصّ وحاشيته ) وثانيهما مستوى محروم ومعدم حتى من أصغر فرصة للتمتع بممتلكاتهم الفردية ليشعروا أخيراً بأنهم مجرد دمى متحركة ينتظرون مكاسب روحية !!! فمن استطاع منهم الوصول للمخلصّ أو حاشيته امتلك داريه في الدنيا والآخرة ومن لم يسعفه حظه بذلك فقد خسر داريه معاً !! إنه مبدأ تنوير الإستبداد والعبودية ، وكأن البوذية أرادت أن تقول لمريديها أن سبيلكم الوحيد لتضمنوا سعادتكم في الدارين أن تتبعوا سبل التنوير التي ستؤمّن لكم الخبز دائماً لتصبحوا خالدين أبداً ، وأنكم ستمرون بإجازة مؤقتة ( الموت ) ثم ستعودون لحياتكم ثانية تحت ظل مخلصيكم في الدار الآخرة ، من هذا الشق استطاعت البوذية أن تجعل مفهوم كلمة ( الحكمة ) بأنها عبارة عن قدرتك على معرفة الآخرين فقط ، بينما مفهوم كلمة ( الحكمة ) الحقيقي هو قدرتك على إدراك المفاهيم والقيم وإعطائها حقها ، فكيف ستكون البوذية حكيمة لمجرد أن باستطاعتها معرفة الآخرين ؟؟ ثم من هم الآخرين ؟؟ وماهو المعيار الحق الذي يقيس تلك المعرفة إن كانت صائبة أو خائبة ؟؟!! وهل درجة وعيها كافية لتأخذ قرارها في حكمتها ؟؟ لا شيء ... لاشيء سوى كلمات ومصطلحات غامضة !!! ثم بينت البوذية كيف تدرس ( الحقيقة – الله ) وفق منهاج تنويرها فقالت (( من اتبع التنوير وصل إلى مرحلة ( المنوّر ) وهي مرحلة تجعلك واثقاً بالوقت )) وكأنها تقول أن المنوّر واثقاً بالزمن القادم الذي سيحدث مستقبلياً من خلال تنبؤات المخلصّ حول مصير الحياة في الدنيا والآخرة ، وربطت منهاج التنوير بقواعد القتال فقالت (( على المنوّر أن يحافظ على نور عقيدته ويتعلم القتال من أجل نشر السلام والمحبة بوجه قوى الشر الظالمة ))فمن يستطيع أن يحدد قوى الشر الظالمة ؟؟ لا أحد باستطاعته ذلك سوى المخلصّ فهو الوحيد القادر على تحديدها لأنه بمرتبة الألوهية !!! هو بشر ؟؟ يخطئ ويصيب ؟؟ فما هو مصير الإنسانية ضمن لوائح القتل البشرية ؟؟؟ مصيرها على السجية والمصلحة الفردية !!! ثم قالت البوذية (( على المنوّر أن يؤمن بوحدة الأضداد )) أي أن يؤمن بمبدأ الثنائيات الضدية الأزلية ( أ ، ب ) مثل ( الجنة ، والنار ) ( الأرض ، والسماء ) ( الله ، والحاكم ) ( الحركة ، والجمود ) ( الدفاع ، والهجوم ) ( القوة ، والرقة ) ( القتل ، والسلام ) ( الغضب ، والحلم ) ( البغيضة ، والمحبة ) وووو... شريطة أن يختار المخلصّ لمريده بعضاً من تلك الثنائيات التي تصلح له وليس كلها بما يتناسب مع درجة تبعية المريد له وإخلاصه في خدمته كي يعيش في حياته وآخرته راضياً مرضياً ، من هنا يبدأ ذهن المريد بتخطي حواجز خياله فيرسم صورة خيالية في روحه لكل الوجود من حوله مما يشعره أنه قد بدأ فعلياً بالتحليق كطائر الفينيق ضمن فلك مخلصّه حصرياً ، هذه هي صلاة تنويرهم ولن تصح أو تكتمل إلا إن شعر المريد بأن الهواء من حوله صار مادة ملموسة بين يديه وتحت سيطرته مثلما ( الماء أو الطعام أوالعظام أووو ) فيتخيل المتنوّر أن باستطاعته أن يطأ الهواء ليعبر من خلاله إلىعالم الأرواح والأشباح بقوة ايمانه مستعيناً بتنبؤات مخلصّه ، إن وصول المتنوّر لهذه الدرجة من المعرفة كما يزعمون يجعله مبشراً ومنوراً لغيره من البشرية ، فمن الذي وصل حقاً ؟؟لا أحد يعلم ولا مقياس يؤكد ذلك !!!لهذا ترى البوذية تسرح في عالم مليء بالخيال ومعظم أقوالها وهمية وحتى البوذية ذاتها لا تعرف محتواها الروحي والمادي معاً ؟!!! ومايؤكد هذا قولها (( يستطيع المنوّر أن يعرف مقدار نفسه إن استطاع عبور الهواء بقوة إيمانه وهو مؤمن بتنبؤات مخلصّه )) ، من هذا نلاحظ أن عالم التنوير البوذي مرتبط بإدراك العلاقة القائمةبين عالم الهواء المحيط بالإنسانوبين عالم الأرواح والأشباح الغامض جداً وعليه فإن تلك العلاقة المرجوة عبارة عن مصطلحات غير واعية ولايستطيع أحد إدراكها بل لن يعرف سبيلاً لها مما يجعل البوذية كنظام غامض منعزل ومتخبط لإنه يستخدم مصطلحات عشوائية وعابثة ستصب مجملها في مصلحة المخلصّ وحده ، وستفرز كما أسلفنا مستويين أولهما شعوب مستنسخة وطائعة ذات سمة موحدة وثانيهما طبقة فريدة عليا ميزتها السلطة المطلقة فمن أين ستأتي الحكمة والمعرفة ؟!!!
إنها رحلة الأبواق التائهة إلى طبقات الهواء السارحة !!!
فما هو مفهوم كلمة ( الحقيقة ) الحق كي نبصرها ونسمو إليها ؟؟؟؟؟
...................... يتبع

1216907699.doc
كتبها حسن جميل الحريس في 01:52 مساءً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: حسن جميل الحريس
